محمد الغزالي

87

فقه السيرة ( الغزالي )

زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل ( بلدح ) - وذلك قبل أن ينزل الوحي على النبي صلى اللّه عليه وسلم - فقدم إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد : إنّي لا اكل مما تذبحون « 1 » على أنصابكم ، ولا اكل إلا ممّا ذكر اسم اللّه عليه ، وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول : الشاة خلقها اللّه ، وأنزل لها من السماء ماء ، وأنبت لها من الأرض الكلأ ، وأنتم تذبحونها على غير اسم اللّه - إنكارا لذلك . وفي رواية : أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه ، فلقي عالما من اليهود ، فسأله عن دينهم ، وقال : لعلّي أن أدين دينكم ! فقال : لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب اللّه ! ! قال زيد : ما أفرّ إلا من غضب اللّه ، ولا أحمل من غضب اللّه شيئا أبدا ، وأنا أستطيعه ! ! فهل تدلّني على غيره ؟ فقال : ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا ، قال زيد : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم عليه السّلام ؛ لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، ولا يعبد إلا اللّه ، فخرج زيد ، فلقي عالما من النصارى ، فذكر له مثل ذلك ، فقال : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة اللّه ! قال : ما أفرّ إلا من لعنة اللّه ، ولا أحمل من لعنة اللّه شيئا أبدا وأنا أستطيع ! ! . . فهل تدلّني على غيره ؟ فقال : لا أعلمه إلا أن تكون حنيفا . قال : وما الحنيف ؟ فقال : دين إبراهيم عليه السّلام ، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، ولا يعبد إلا اللّه ، فلما رأى زيد قوله في إبراهيم عليه السّلام خرج ، فلما برز رفع يديه ، وقال : اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم عليه السّلام . . وهذا الحديث يبيّن مقدار الحيرة التي سادت الدنيا ، وغطّت بضبابها الكثيف على الأديان الظاهرة ؛ اليهود يشعرون بأنّهم مطاردون في الأرض ، منبوذون من

--> - أنصابكم ) قال : فما رؤي النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك أكل شيئا مما ذبح على النصب . « وعلة هذه الزيادة : أنها رواية من المسعودي ، وكان قد اختلط ! وراوي هذا الحديث عنه يزيد بن هارون ، سمع منه بعد اختلاطه ، ولذلك لم يحسن صنعا حضرة الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر حيث صرّح في تعليقه على المسند أن إسناده صحيح » ، ثم صرح بعد سطور أنه إنما صحّحه مع اختلاطه ، لأنه ثبت معناه من حديث ابن عمر بسند صحيح ، يعني هذا الذي في الكتاب ، وليس فيه هذه الزيادة المنكرة ، فكان عليه أن ينبه عليها لكي لا يتوهم أحد أن معناها ثابت أيضا في حديث ابن عمر . ( 1 ) توهّم زيد أن اللحم المقدّم إليه من جنس ما حرم اللّه ، ومن المقطوع به أن بيت محمد صلى اللّه عليه وسلم لا يطعم ذبائح الأصنام ، ولكن أراد الاستيثاق لنفسه والإعلان عن مذهبه ، وقد حفظ محمد صلى اللّه عليه وسلم له ذلك وسرّ به .